رسالة كورنثوس الثانية

بعدما أرسل الرسول بولس رسالته الأولى إلى الكنيسة في كورنثوس من أفسس بيد تيطس التي وبّخهم فيها بشدة على سلوكهم الجسدي وعدم ترتيبهم وخصوماتهم، حدثت ثورة عارمة عليه من الوثنيين في أفسس ( أعمال الرسل 19 )، فتركها وذهب إلى ترواس آملاً أن يجد تيطس قد عاد من كورنثوس بأخبار طيبة عنهم ( 2 كورنثوس 2 )، ولكنه لم يجده، فترك ترواس وذهب إلى مكدونية. وهناك في مكدونية لم يكن لجسده شيء من الراحة، ولكن الله الذي يعزي المتضعين عزاه بمجيء تيطس ( 2 كورنثوس 6:7 ) حاملاً تقريراً له جانبان. جانب مضيء؛ أن الأكثرية تابت عن شرها ويشتاقون لرؤية الرسول. وجانب مظلم؛ أن الأقلية قد انحازت لمعلمين كذبة أتوا من أوروشليم يشككون في رسولية بولس ويتهمونه باتهامات رديئة مثل عدم نقاوة دوافعه في الخدمة وعدم أمانته بل واحتياله في الجمع من أجل الفقراء وغيرها من الاتهامات. ومن هذه الخلفية، كتب الرسول بولس هذه الرسالة الثانية من مكدونية حوالي سنة 57م أثناء رحلته البشيرية الثالثة.

تتدفق في هذه الرسالة عواطف الرسول من نحو إخوته فيكتب لهم شارحاً دوافع خدمته عامة ولماذا لم يأتِ لزيارتهم؛ ومادحاً طاعة واستجابة أكثرهم للرسالة الأولى رغم قسوتها؛ ومشجعاً لاسترجاع الأخ التائب، والجمع لأجل فقراء القديسين؛ ومحذراً الأقلية التي لم تتب عن شرورها، والجميع من المعلمين الكذبة؛ ومبرهناً رسوليته ليدحض افتراءات المدعين الكذبة.

تُعتَبر هذه الرسالة أكثر أجزاء العهد الجديد كشفاً لشخصية بولس الرسول. فهي ترسم لنا صورة دقيقة عنه كإناء خزفي وإنسان تحت الآلام. فهو يحزن ويكتئب، ويخاف ويضطرب، ويتألم من الظلم والإهانة ويفرح بالتقدير والكرامة. كما تكشف لنا عن الكم الهائل من الخدمة الذي أنجزه هذا الإنسان الضعيف، وعن القدر الجبار من الاضطهادات التي احتملها هذا الإناء الخزفي. ثم تكشف لنا سر هذا التناقض ألا وهو النعمة التي تكفي الضعيف ( 2 كورنثوس 12 ).

يُمكن اعتبار هذه الرسالة كدليل للخادم. فإن كانت الرسالة الأولى تشرح لنا ترتيب بيت الله وكيف تكون العبادة، فالرسالة الثانية تشرح لنا كيفية الخدمة في هذا البيت وكيف تكون حياة الخادم. كما أنها تُرينا أن للمؤمن ثلاثة مصادر عينية للتشجيع والتعضيد وسط الضيقات والتجارب: 1) نعمة ربنا يسوع المسيح ( تكفيك نعمتي ) 2) محبة الآب ( أبو الرأفة وإله كل تعزية ) 3) شركة الروح القدس.