الرحمة والحق

يَا ٱبْنِي، لَا تَنْسَ شَرِيعَتِي، بَلْ لِيَحْفَظْ قَلْبُكَ وَصَايَايَ. فَإِنَّهَا تَزِيدُكَ طُولَ أَيَّامٍ، وَسِنِي حَيَاةٍ وَسَلَامَةً. لَا تَدَعِ ٱلرَّحْمَةَ وَٱلْحَقَّ يَتْرُكَانِكَ. تَقَلَّدْهُمَا عَلَى عُنُقِكَ. اُكْتُبْهُمَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ، فَتَجِدَ نِعْمَةً وَفِطْنَةً صَالِحَةً فِي أَعْيُنِ ٱللهِ وَٱلنَّاسِ.  تَوَكَّلْ عَلَى ٱلرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لَا تَعْتَمِدْ. فِي كُلِّ طُرُقِكَ ٱعْرِفْهُ، وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ.  لَا تَكُنْ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِكَ. ٱتَّقِ ٱلرَّبَّ وَٱبْعُدْ عَنِ ٱلشَّرِّ، فَيَكُونَ شِفَاءً لِسُرَّتِكَ، وَسَقَاءً لِعِظَامِكَ. أَكْرِمِ ٱلرَّبَّ مِنْ مَالِكَ وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ، فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شِبْعًا، وَتَفِيضَ مَعَاصِرُكَ مِسْطَارًا.
أَمْثَالٌ 3: 1‭-‬10

 

طول الأيام هو مشتهى الجميع، كلنا نتمنى أن نعيش طويلا"، وبالرغم من كل المصاعب والأحزان، إلا أننا لا نمّل من الحياة. في المقطع أعلاه يخبرنا الحكيم سليمان بما يضمن لنا طول الأيام، وأعتقد أن ما يقصده ليس بأن تكون لنا سنوات حياة عديدة بقدر أن تكون لنا حياة سعيدة وأيضاً مديدة.

عرف سليمان الرب وعرف أن وصاياه وطرقه هي الأفضل للحياة، فالحياة بدون الله ووصاياه لا فائدة منها. في هذه المعرفة نجد معنى للحياة وفي هذا فقط يكون لنا السلامة وطول الأيام.

أولى الوصايا التي يوصينا بها الحكيم سليمان وربما الأهم في المقطع السابق تتعلق بالرحمة والحق: "لا تدع الرحمة والحق يتركانك"، لاحظ أنه يطلب من ابنه أن لا يدع الرحمة والحق يتركانه. فما الذي يعلّمه الكتاب المقدس عن هاتين الصفتين والتي يريد الرب أن تكونا بمثابة وجهين لعملة واحدة.

 

الرحمة: هذه من صفات الله "الرب الرب إله رحيم ورؤوف، بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء" (خر34: 6). "الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة. لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. لأنه مثل ارتفاع السماوات فوق الأرض قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنّا معاصينا. كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه" (مز103: 8-13(

لكون إلها رحيما، فإنه يظهر رحمته لأناس خطاة وأشرار، لاحظ ما يقوله صاحب المزمور: وبعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا….. مثل ارتفاع السموات فوق الأرض  قويت رحمته على خائفين. الله ليس رحيما فقط لكنه كثير الرحمة.

الحق: في الأصل اليوناني تعني العدل أو القضاء العادل، ويعني عدل الله أن ليس عنده ظلم ولا محاباة ولا يعوّج القضاء ولا يأخذ بالوجوه ولا يتزعزع. "هُوَ ٱلصَّخْرُ ٱلْكَامِلُ صَنِيعُهُ. إِنَّ جَمِيعَ سُبُلِهِ عَدْلٌ. إِلَهُ أَمَانَةٍ لَا جَوْرَ فِيهِ. صِدِّيقٌ وَعَادِلٌ هُوَ." تث 32: 4. يريدنا الله أن نسلك بعدل وبذلك نكون على حق.

يعلمنا الكتاب المقدس أن في الصليب الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ الْتَقَيَا. الْبِرُّ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا. هناك، أظهر يسوع بشاعة الخطية وحكم الله عليها، ولا بد أن يتمم الله عدله في الفادي أو الحمل المذبوح من اجلنا. وكذلك أظهر الله رحمته ومحبته بحيث ارتضى بديلاً عنا، كان هو المسيح. من هنا تكمن أهمية أن لا ندع الرحمة والحق يتركان، فغياب الحق أو العدل والسلوك فقط بالرحمة يعني التساهل مع كل خطية أو خطأ، وبالتالي منح الجميع الرخصة لعمل كل ما يريدون فليس هناك من يطالب أو ينفذ العدالة. وفي غياب الرحمة، يعني أن أي خطأ نسقط فيه سوف نعاقب عليه. وفي هذا يظهر الله كمن يمسك سيفاً في انتظار أن يسقطه على كل من يخالف وصاياه.

 

لاحظ ماذا يحدث لكل من يتمسك بالرحمة والحق بحس القراءة اعلاه، "فتجد نعمة وفطنة صالحة في أعين الله والناس". نعم سوف يعاملك الناس بطريقة مختلفة، بالنعمة والفطنة، النعمة يعني أنهم سيحتملونك حتى لو أخطأت، والفطنة تعني أنهم سيعتبرونك ذكياً وفطناً أو حكيماً. ليس الناس فقط، بل الله الذي يرى قلبك، وما أحلى أن يعاملنا الله بنعمة ويرانا حكماء.