الروح في البشائر والأعمال - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الروح في البشائر والأعمال
12 June 2019

الروح في البشائر والأعمال

ربما سمعت عن الأرواح الشريرة وكيف أنها قد تلبس هذا الشخص أو ذاك وتجعله يفقد صوابه ويتصرف بجنون أو بقوات تدميرية تفوق الطبيعة، ولكن هل تعرف الروح الذي له قوة إيجابية تفوق الطبيعة؟  لقد وعد المسيح بمجيء الروح القدس بعد ذهابه؛الروح الذي قال لتلاميذه بأنه سيكون فيهم. فمن هو هذا الروح وماذا دوّن التلاميذ عنه لنتعرف عليه أكثر؟

في قانون الإيمان المسيحي نقول، "نؤمن بالروح القدس الرب المحيي"، إذًا من أولى صفاته أنه الرب معطي الحياة. ونرى ربوبيته من خلال وصفه في الكتاب كأحد أقانيم الثالوث عندما نقرأ في المأمورية العظمى التي أمر المسيح بها أتباعه قائلًا: {فاذهَبوا وتَلمِذوا جميعَ الأُمَمِ وعَمِّدوهُم باسمِ الآبِ والِابنِ والرّوحِ القُدُسِ} (متى ٢٨: ١٩). هل لاحظتم أنه قال بِسم وليس بأسماء؟ وهذا الروح هو الله بذاته إذ تقول الكلمة، {اللهُ روحٌ. والّذينَ يَسجُدونَ لهُ فبالرّوحِ والحَقِّ يَنبَغي أنْ يَسجُدوا} (يوحنا ٤: ٢٤)، وهو وسيلتنا الوحيدة لعبادة الله العبادة الحق. فنستطيع أن نعبد كما نريد ولكن إن كنا نريد أن نعبد الله كما هو يريد فلا بد أن نقدم عبادتنا بالروح والحق. لأنه وكما قال المسيح، {الرّوحُ هو الّذي يُحيي. أمّا الجَسَدُ فلا يُفيدُ شَيئًا. الكلامُ الّذي أُكلِّمُكُمْ بهِ هو روحٌ وحياةٌ} (لوقا ٦: ٦٣). ولكن ما هو مصدر هذا الروح؟ يجيب السيد المسيح، {فإنْ كنتُم وأنتُمْ أشرارٌ تعرِفونَ أنْ تُعطوا أولادَكُمْ عَطايا جَيِّدَةً، فكمْ بالحَريِّ الآبُ الّذي مِنَ السماءِ، يُعطي الرّوحَ القُدُسَ للّذينَ يَسألونَهُ؟} (لوقا ١٣: ١١). كما يقول المسيح أيضًا، {وأمّا المُعَزّي، الرّوحُ القُدُسُ، الّذي سيُرسِلُهُ الآبُ باسمي، فهو يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيءٍ، ويُذَكِّرُكُمْ بكُلِّ ما قُلتُهُ لكُمْ} (يوحنا ١٤: ٢٦)، ويضيف {ومَتَى جاءَ المُعَزّيالّذي سأُرسِلُهُ أنا إلَيكُمْ مِنَ الآبِ، روحُ الحَقِّ، الّذي مِنْ عِندِ الآبِ يَنبَثِقُ، فهو يَشهَدُ لي} (يوحنا ١٥: ٢٦). ثم يقول الكتاب قبل قيامة المسيح في تعليمه للتلاميذ عن الروح القدس، {قالَ هذا عن الرّوحِ الّذي كانَ المؤمِنونَ بهِ مُزمِعينَ أنْ يَقبَلوهُ، لأنَّ الرّوحَ القُدُسَ لَمْ يَكُنْ قد أُعطيَ بَعدُ، لأنَّ يَسوعَ لَمْ يَكُنْ قد مُجِّدَ بَعدُ} (يوحنا ٧: ٣٩)، وأيضًا يقول المسيح، {لكني أقولُ لكُمُ الحَقَّ: إنَّهُ خَيرٌ لكُمْ أنْ أنطَلِقَ، لأنَّهُ إنْ لَمْ أنطَلِقْ لا يأتيكُمُ المُعَزّي، ولكن إنْ ذَهَبتُ أُرسِلُهُ إلَيكُمْ. ومَتَى جاءَ ذاكَ يُبَكِّتُ العالَمَ علَى خَطيَّةٍ وعلَى برٍّ وعلَى دَينونَةٍ: أمّا علَى خَطيَّةٍ فلأنَّهُمْ لا يؤمِنونَ بي، وأمّا علَى برٍّ فلأنّي ذاهِبٌ إلَى أبي ولا ترَوْنَني أيضًا، وأمّا علَى دَينونَةٍ فلأنَّ رَئيسَ هذا العالَمِ قد دينَ} (يوحنا ١٦: ٧- ١١).ولكن بعد مدة من قيامته وفي تحضيره للتلاميذ للإرسالية نجد الكتاب يقول، {ولَمّا قالَ هذا نَفَخَ وقالَ لهُمُ: اقبَلوا الرّوحَ القُدُس} (يوحنا ٢٠: ٢٢). ويخبرنا الكتاب، {... إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ فِيهِ، بَعْدَ مَا أَوْصَى بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلرُّسُلَ ٱلَّذِينَ ٱخْتَارَهُمْ.اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ ٱلْأُمُورِ ٱلْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ ٱللهِ.  وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ ٱلْآبِٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، لِأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِٱلْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ ٱلْأَيَّامِ بِكَثِيرٍ} (أعمال الرسل ١: ٢- ٥).

وفي يوم الخمسين يخبرنا الكتاب، {وإذ ارتَفَعَ بيَمينِ اللهِ، وأخَذَ مَوْعِدَالرّوحِ القُدُسِ مِنَ الآبِ، سكَبَ هذا الّذي أنتُمُ الآنَ تُبصِرونَهُ وتَسمَعونَهُ} (أعمال الرسل ٢: ٣٣).  وعند رجم استفانوس يخبرنا الكتاب عن عمل الثالوث فيه كما يلي:

قال استفانوس لسامعيه: {يَا قُسَاةَ ٱلرِّقَابِ، وَغَيْرَ ٱلْمَخْتُونِينَ بِٱلْقُلُوبِ وَٱلْآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْأَيُّ ٱلْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا ٱلَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ ٱلْبَارِّ، ٱلَّذِي أَنْتُمُ ٱلْآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، ٱلَّذِينَ أَخَذْتُمُ ٱلنَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلَائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ}. 

ويقول الكتاب: {فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ.  وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌمِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ ٱللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ ٱللهِ.  فَقَالَ: هَا أَنَا أَنْظُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ ٱللهِ}.

ويضيف، {فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَٱلشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ.  فَكَانُوا يَرْجُمُونَ ٱسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: "أَيُّهَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ، ٱقْبَلْ رُوحِي".  ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "يَارَبُّ، لَا تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ ٱلْخَطِيَّةَ". وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ} (أعمال ٧: ٥١- ٦٠).

هل انتبهت إلى مصدر كلمة ثالوث وضرورته لشرح ما هو مكتوب هنا في كل الآيات التي تكلمت عن الآب والابن والروح القدس؟ لقد كان من الضروري صياغة كلمة تجمع كل ما أعلنه الله عن ذاته في الكتاب وهنا نرى الآب والابن والروح القدس معًا ولكن لننظر لبعض الأشياء التي خصَّ الكتاب الروح القدس بها في البشائر الأربع وفي سفر الأعمال التي يمكن تشبيهها بما قد يخص الإنسان النفس لا الجسد في البشر، مع بُعد الفارق بين الله والإنسان. والآن لننظر إلى بعض الأعمال التي قام بها الروح ويقوم بها في حياة المؤمنين.

الروح والولادة

تخبرنا البشائر بأن ولادة المسيح كانت بحلول الروح القدس على السيدة مريم العذراء قائلة:

{أمّا وِلادَةُ يَسوعَ المَسيحِ فكانتْ هكذا: لَمّا كانتْ مَريَمُ أُمُّهُ مَخطوبَةً ليوسُفَ، قَبلَ أنْ يَجتَمِعا، وُجِدَتْ حُبلَى مِنَ الرّوحِ القُدُسِ} (متى ١: ١٨). وتفصل الأحداث كما يلي، قال الملاك جبريل لمريم: {الرّوحُ القُدُسُ يَحِلُّ علَيكِ، وقوَّةُ العَليِّ تُظَلِّلُكِ، فلذلكَ أيضًا القُدّوسُ المَوْلودُ مِنكِ يُدعَى ابنَ اللهِ} (لوقا ١: ٣٥). ثم عاد الملاك وأكد هذا الأمر ليوسف خطيب مريم ليطمئنه، {ولكن فيما هو مُتَفَكِّرٌ في هذِهِ الأُمورِ، إذا مَلاكُ الرَّبِّ قد ظَهَرَ لهُ في حُلمٍ قائلًا: يا يوسُفُ ابنَ داوُدَ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَريَمَ امرأتَكَ. لأنَّ الّذي حُبِلَ بهِ فيها هو مِنَ الرّوحِ القُدُسِ} (متى ١: ٢٠). 

إذًا الروح القدس كان له دور في تجسد كلمة الله بولادته من مريم العذراء وفي نفس الوقت كان يُعزي ويطمئن يوسف، إذًا فالمُعزي هو اسم حسن من أسماء الروح القدس.

ونجد للروح دور فعّال أيضًا في الولادة الثانية أي الولادة الروحية لكل بني البشر، حيث نجد المسيح يعلن: {أجابَ يَسوعُ: الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكَ: إنْ كانَ أحَدٌ لا يولَدُ مِنَ الماءِ والرّوحِ لا يَقدِرُ أنْ يَدخُلَ ملكوتَ اللهِ. المَوْلودُ مِنَ الجَسَدِ جَسَدٌ هو، والمَوْلودُ مِنَ الرّوحِ هو روحٌ. لا تتَعَجَّبْ أنّي قُلتُ لكَ: يَنبَغي أنْ تولَدوا مِنْ فوقُ. الرّيحُ تهُبُّ حَيثُ تشاءُ، وتَسمَعُ صوتَها، لكنكَ لا تعلَمُ مِنْ أين تأتي ولا إلَى أين تذهَبُ. هكذا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرّوحِ} (انظر كلام المسيح مع نيقوديموس في يوحنا ٣). ونرى أنه يقوم بدوره كالمعزي بين هؤلاء المؤمنين عندما نقرأ، {وَأَمَّا ٱلْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلْجَلِيلِ وَٱلسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلَامٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ ٱلرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ} (أعمال الرسل ٩: ٣١)، و {وأمّا التلاميذُ فكانوا يَمتَلِئونَ مِنَ الفَرَحِ والرّوحِ القُدُسِ} (أعمال الرسل ١٣: ٥٢). 

الروح والمعمودية

كان يوحنا المعمدان (المعروف في القرآن بالنبي يحيى)، يُعمِّد اليهود التائبين بالماء كرمز على غسلهم من خطاياهم، ولكنه أصر أن يشرح لهم أنه هو يُمهد الطريق للآتي قائلًا، {أنا أُعَمِّدُكُمْ بماءٍ للتَّوْبَةِ، ولكن الّذي يأتي بَعدي هو أقوَى مِنّي، الّذي لَستُ أهلًا أنْ أحمِلَ حِذاءَهُ. هو سيُعَمِّدُكُمْ بالرّوحِ القُدُسِ ونارٍ} (متى ٣: ١١، انظر أيضًا لوقا ٣: ١٦)، ويؤكد، {أنا عَمَّدتُكُمْ بالماءِ، وأمّا هو فسيُعَمِّدُكُمْ بالرّوحِ القُدُسِ} (مرقس ١: ٨). وتذكِّرنا البشائر أنه عندما قام يوحنا المعمدان بتعميد المسيح حدث أمرًا عجيبًا: {فلَمّا اعتَمَدَ يَسوعُ صَعِدَ للوقتِ مِنَ الماءِ، وإذا السماواتُ قد انفَتَحَتْ لهُ، فرأى روحَ اللهِ نازِلًا مِثلَ حَمامَةٍ وآتيًا علَيهِ} (متى ٣: ١٦ ومرقس ١: ١٠) ومع نزول الروح نقرأ، {ونَزَلَ علَيهِ الرّوحُ القُدُسُ بهَيئَةٍ جِسميَّةٍ مِثلِ حَمامَةٍ. وكانَ صوتٌ مِنَ السماءِ قائلًا: «أنتَ ابني الحَبيبُ، بكَ سُرِرتُ} (لوقا ٣: ٢٢). وهنا نرى الثالوث يتجلى من جديد في الآب والابن والروح القدس بشهادة يوحنا المعمدان الذي شهد قائلًا، {إنّي قد رأيتُ الرّوحَ نازِلًا مِثلَ حَمامَةٍ مِنَ السماءِ فاستَقَرَّ علَيهِ. وأنا لَمْ أكُنْ أعرِفُهُ، لكن الّذي أرسَلَني لأُعَمِّدَ بالماءِ، ذاكَ قالَ لي: الّذي ترَى الرّوحَ نازِلًا ومُستَقِرًّا علَيهِ، فهذا هو الّذي يُعَمِّدُ بالرّوحِ القُدُسِ} (يوحنا ١: ٣٢- ٣٣). وكان قد وعد الله بذلك في كلمته قائلًا، {هوذا فتايَ الّذي اختَرتُهُ، حَبيبي الّذي سُرَّتْ بهِ نَفسي. أضَعُ روحي علَيهِ فيُخبِرُ الأُمَمَ بالحَقِّ} (متى ١٢: ١٨).  وأكد المسيح أنه يعمل أعماله بروح الله قائلًا، {لكن إنْ كُنتُ أنا بروحِ اللهِ أُخرِجُ الشَّياطينَ، فقد أقبَلَ علَيكُمْ ملكوتُ اللهِ!} (متى ١٢: ٢٢).

وقد وعد المسيح تلاميذه بمعمودية الروح القدس قائلًا، {لأنَّ يوحَنا عَمَّدَ بالماءِ، وأمّا أنتُمْ فستَتَعَمَّدونَ بالرّوحِ القُدُسِ، ليس بَعدَ هذِهِ الأيّامِ بكَثيرٍ} (أعمال ١: ٥). وهذا ما حدث فعلًا في يوم الخمسين فأصبحت دعوة التلاميذ للعالم واضحة في كلمات الرسول بطرس، {فقالَ لهُمْ بُطرُسُ: توبوا وليَعتَمِدْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُمْ علَى اسمِ يَسوعَ المَسيحِ لغُفرانِ الخطايا، فتقبَلوا عَطيَّةَ الرّوحِ القُدُسِ} (أعمال الرسل ٢: ٣٨). كما حدث الأمر نفسه عندما وصلت الرسالة إلى الأمم الذين لم يكونوا من أصل يهودي، حيث نقرأ، {فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ ٱلْأُمُورِ حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ ٱلْكَلِمَةَ.  فَٱنْدَهَشَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ مِنْ أَهْلِ ٱلْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ، لِأَنَّ مَوْهِبَةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ عَلَى ٱلْأُمَمِ أَيْضًا.  لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ وَيُعَظِّمُونَ ٱللهَ. حِينَئِذٍ أَجَابَ بُطْرُسُ: أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ ٱلْمَاءَ حَتَّى لَا يَعْتَمِدَ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ قَبِلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟} (أعمال الرسل ١٠: ٤٤- ٤٧). ثم شرح بطرس ما حدث، {فلَمّا ابتَدأتُ أتَكلَّمُ، حَلَّ الرّوحُ القُدُسُ علَيهِمْ كما علَينا أيضًا في البَداءَةِ. فتذَكَّرتُ كلامَ الرَّبِّ كيفَ قالَ: إنَّ يوحَنا عَمَّدَ بماءٍ وأمّا أنتُمْ فستُعَمَّدونَ بالرّوحِ القُدُسِ؟} (أعمال الرسل ١١: ١٥- ١٦). ونرى نفس الأمر يتكرر أثناء دعوة الرب للرسول بولس للخدمة، {فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ ٱلْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: َيُّهَا ٱلْأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي ٱلطَّرِيقِ ٱلَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ} (أعمال ٩: ١٧).

الروح والنطق بالأنبياء

يلقب قانون الإيمان الروح القدس أيضًا بلقب "الناطق بالأنبياء" ونجد الكتاب يتكلم عن الإمتلاء من الروح القدس والنطق بكلام الرب للشعب في أماكن عديدة ومنها ما ذكر الوحي عن النبي يحيى حيث يقول الكتاب، {لأنَّهُ يكونُ عظيمًا أمامَ الرَّبِّ، وخمرًا ومُسكِرًا لا يَشرَبُ، ومِنْ بَطنِ أُمِّهِ يَمتَلِئُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ} (لوقا ١: ١٥). وهذا فعلًا ما حدث عندما التقت والدة النبي يحيى بمريم الحامل بالمسيح، {فلَمّا سمِعَتْ أليصاباتُ سلامَ مَريَمَ ارتَكَضَ الجَنينُ في بَطنِها، وامتَلأتْ أليصاباتُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ} (لوقا ١: ٤١). ولذلك نطقت أليصابات بما نطقت عن السيدة مريم في ذلك السياق. وليست هي الوحيدة بين اليهود الذين آمنوا بالمسيح ونطقوا بواسطة الروح القدس، بل يخبرنا الكتاب عن والد النبي يحيى، {وامتَلأَ زَكَريّا أبوهُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ، وتَنَبّأَ...} (لوقا ١: ٦٧). ونرى عمل الروح في نطق النبي داود، {لأنَّ داوُدَ نَفسَهُ قالَ بالرّوحِ القُدُسِ: قالَ الرَّبُّ لرَبّي: اجلِسْ عن يَميني، حتَّى أضَعَ أعداءَكَ مَوْطِئًا لقَدَمَيكَ} (مرقس ١٢: ٣٦). وهذا جعل المسيح يسأل اليهود الذين رفضوا ما قاله عن نفسه، {فكيفَ يَدعوهُ داوُدُ بالرّوحِ رَبًّا؟ قائلًا: قالَ الرَّبُّ لرَبّي: اجلِسْ عن يَميني حتَّى أضَعَ أعداءَكَ مَوْطِئًا لقَدَمَيكَ} (متى ٢٢: ٤٣).

وهذا النطق لا يمتاز به الأنبياء الكبار فقط، بل حتى المؤمنين الأبرار تكلم الرب من خلالهم ونرى مثالًا على عمل الروح في سمعان الأورشليمي،{وكانَ رَجُلٌ في أورُشَليمَ اسمُهُ سِمعانُ، وهذا الرَّجُلُ كانَ بارًّا تقيًّا يَنتَظِرُ تعزيَةَ إسرائيلَ، والرّوحُ القُدُسُ كانَ علَيهِ. وكانَ قد أوحيَ إليهِ بالرّوحِ القُدُسِ أنَّهُ لا يَرَى الموتَ قَبلَ أنْ يَرَى مَسيحَ الرَّبِّ. فأتَى بالرّوحِ إلَى الهَيكلِ. وعندما دَخَلَ بالصَّبيِّ يَسوعَ أبَواهُ، ليَصنَعا لهُ حَسَبَ عادَةِ النّاموسِ} (لوقا ٢: ٢٥- ٢٧). 

وقد قال المسيح عن نفسه وعمل الروح القدس من خلاله قائلًا، {لأنَّ الّذي أرسَلهُ اللهُ يتَكلَّمُ بكلامِ اللهِ. لأنَّهُ ليس بكَيلٍ يُعطي اللهُ الرّوحَ} (يوحنا ٣: ٣٤). وهذه علامة هامة للتمييز بين مَن هو مُرسَل من الله ومَن هو غير مُرسَل من الله إذ كان المسيح يستشهد بكلام الله في التوراة والأنبياء والمزامير (الزابور) والكتب ولم يرفضهم لأن الروح القدس الذي أوحى وأنطقهم بكلماته هو نفس الروح القدس الذي نزل على المسيح بشكل حمامة ونفس الروح الذي أنطق تلاميذ المسيح بالنبوات. فالله هو هو أمس واليوم وإلى الأبد ولا مبدل لكلماته. 

بالإضافة لكل هذا، فلقد وعد المسيح المؤمنين أن الروح القدس سيوحي لهم بما يقولون عند الحاجة في قوله، {فمَتَى ساقوكُمْ ليُسَلِّموكُمْ، فلا تعتَنوا مِنْ قَبلُ بما تتَكلَّمونَ ولا تهتَمّوا، بل مَهما أُعطيتُمْ في تِلكَ السّاعَةِ فبذلكَ تكلَّموا. لأنْ لَستُمْ أنتُمُ المُتَكلِّمينَ بل الرّوحُ القُدُسُ} (لوقا ١١: ١٣). 

وقد وعد المسيح بحلول الروح القدس على تلاميذه، {لكنكُمْ ستَنالونَ قوَّةً مَتَى حَلَّ الرّوحُ القُدُسُ علَيكُمْ، وتَكونونَ لي شُهودًا في أورُشَليمَ وفي كُلِّ اليَهوديَّةِ والسّامِرَةِ وإلَى أقصَى الأرضِ} (أعمال ١: ٨).  وهذا ما حدث فعلًا، {ولَمّا حَضَرَ يومُ الخَمسينَ كانَ الجميعُ مَعًا بنَفسٍ واحِدَةٍ، وصارَ بَغتَةً مِنَ السماءِ صوتٌ كما مِنْ هُبوبِ ريحٍ عاصِفَةٍ ومَلأَ كُلَّ البَيتِ حَيثُ كانوا جالِسينَ، وظَهَرَتْ لهُمْ ألسِنَةٌ مُنقَسِمَةٌ كأنَّها مِنْ نارٍ واستَقَرَّتْ علَى كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ. وامتَلأَ الجميعُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ، وابتَدأوا يتَكلَّمونَ بألسِنَةٍ أُخرَى كما أعطاهُمُ الرّوحُ أنْ يَنطِقوا} (أعمال ٢: ١-٤). وكان هذا إتمامًا لما سبق وقاله الأنبياء، {بل هذا ما قيلَ بيوئيلَ النَّبيِّ: يقولُ اللهُ: ويكونُ في الأيّامِ الأخيرَةِ أنّي أسكُبُ مِنْ روحي علَى كُلِّ بَشَرٍ، فيَتَنَبّأُ بَنوكُمْ وبَناتُكُمْ، ويَرَى شَبابُكُمْ رؤًى ويَحلُمُ شُيوخُكُمْ أحلامًا. وعلَى عَبيدي أيضًا وإمائي أسكُبُ مِنْ روحي في تِلكَ الأيّامِ فيَتَنَبّأونَ} (أعمال ٢: ١٦- ١٨). وهكذا نرى الخيط المتواصل عبر الأنبياء منذ البدء إلى تلاميذ المسيح، {أيُّها الرِّجالُ الإخوَةُ، كانَ يَنبَغي أنْ يتِمَّ هذا المَكتوبُ الّذي سبَقَ الرّوحُ القُدُسُ فقالهُ بفَمِ داوُدَ، عن يَهوذا الّذي صارَ دَليلًا للّذينَ قَبَضوا علَى يَسوعَ} (أعمال ١: ١٦).

وهذا سرد لبعض الآيات التي تظهر كيف كان تلاميذ المسيح كالأنبياء الذين سبقوهم يتكلمون بالروح القدس:

أعمال ٢: ٨: {حينَئذٍ امتَلأَ بُطرُسُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ وقالَ لهُمْ: يا رؤَساءَ الشَّعبِ وشُيوخَ إسرائيلَ...}

أعمال ١٣: ٩- ١٠: {وأمّا شاوُلُ، الّذي هو بولُسُ أيضًا، فامتَلأَ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ وشَخَصَ إليهِ وقالَ...}

أعمال ٤: ٣١: {ولَمّا صَلَّوْا تزَعزَعَ المَكانُ الّذي كانوا مُجتَمِعينَ فيهِ، وامتَلأَ الجميعُ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ، وكانوا يتَكلَّمونَ بكلامِ اللهِ بمُجاهَرَةٍ}

أعمال ١١: ٢١: {فجاءَ إلَينا، وأخَذَ مِنطَقَةَ بولُسَ، ورَبَطَ يَدَيْ نَفسِهِ ورِجلَيهِ وقالَ: هذا يقولُهُ الرّوحُ القُدُسُ: الرَّجُلُ الّذي لهُ هذِهِ المِنطَقَةُ، هكذا سيَربُطُهُ اليَهودُ في أورُشَليمَ ويُسَلِّمونَهُ إلَى أيدي الأُمَمِ}

أعمال ١١: ٢٤: {لأنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا ومُمتَلِئًا مِنَ الرّوحِ القُدُسِ والإيمانِ. فانضَمَّ إلَى الرَّبِّ جَمعٌ غَفيرٌ}

أعمال ١٩: ٦: {ولَمّا وضَعَ بولُسُ يَدَيهِ علَيهِمْ حَلَّ الرّوحُ القُدُسُ علَيهِمْ، فطَفِقوا يتَكلَّمونَ بلُغاتٍ ويَتَنَبّأونَ}

أعمال ٢٨: ١١: {وقامَ واحِدٌ مِنهُمُ اسمُهُ أغابوسُ، وأشارَ بالرّوحِ أنَّ جوعًا عظيمًا كانَ عَتيدًا أنْ يَصيرَ علَى جميعِ المَسكونَةِ، الّذي صارَ أيضًا في أيّامِ كُلوديوسَ قَيصَرَ}

أعمال ٢٨: ٢٥: {فانصَرَفوا وهُم غَيرُ مُتَّفِقينَ بَعضُهُمْ مع بَعضٍ، لَمّا قالَ بولُسُ كلِمَةً واحِدَةً: إنَّهُ حَسَنًا كلَّمَ الرّوحُ القُدُسُ آباءَنا بإشَعياءَ النَّبيِّ...}

الروح والقيادة

يتكلم الكتاب عن عمل الروح القيادي، ونرى هذا بوضوح في مثال المسيح، إذ قاد الروح المسيح في البرية ليُجرَّب من إبليس ويعلمنا كيف نواجه التجارب، فبعد معمودية المسيح يقول الوحي، {أمّا يَسوعُ فرَجَعَ مِنَ الأُردُنِّ مُمتَلِئًا مِنَ الرّوحِ القُدُسِ، وكانَ يُقتادُ بالرّوحِ في البَرّيَّةِ} (لوقا ٤: ١). ويضيف، {ولِلوقتِ أخرَجَهُ الرّوحُ إلَى البَرّيَّةِ} (مرقس ١: ١٢). وقد كانت هذه القيادة إلى البرية لسبب واضح {ثُمَّ أُصعِدَ يَسوعُ إلَى البَرّيَّةِ مِنَ الرّوحِ ليُجَرَّبَ مِنْ إبليسَ} (متى ٤: ١).

والروح هو الذي قاد المسيح للقيام بمساعدة البشر، {روحُ الرَّبِّ علَيَّ، لأنَّهُ مَسَحَني لأُبَشِّرَ المَساكينَ، أرسَلَني لأشفيَ المُنكَسِري القُلوبِ، لأُناديَ للمأسورينَ بالإطلاقِ وللعُميِ بالبَصَرِ، وأُرسِلَ المُنسَحِقينَ في الحُرّيَّةِ، وأكرِزَ بسَنَةِ الرَّبِّ المَقبولَةِ} (لوقا ٤: ١٨-١٩).

وفي هذه القيادة للمؤمنين مثال وقوة نراها صاحبت المؤمنين الأوائل، وهذه بعض الأمثلة:

أعمال ٨: ٢٩-٤٠: {فقالَ الرّوحُ لفيلُبُّسَ: «تقَدَّمْ ورافِقْ هذِهِ المَركَبَةَ.... ولَمّا صَعِدا مِنَ الماءِ، خَطِفَ روحُ الرَّبِّ فيلُبُّسَ، فلَمْ يُبصِرهُ الخَصيُّ أيضًا، وذَهَبَ في طريقِهِ فرِحًا. وأمّا فيلُبُّسُ فوُجِدَ في أشدودَ. وبَينَما هو مُجتازٌ، كانَ يُبَشِّرُ جميعَ المُدُنِ حتَّى جاءَ إلَى قَيصَريَّةَ}

أعمال ١٠: ١٩- ١١: ١٢: {وَبَيْنَمَا بُطْرُسُ مُتَفَكِّرٌ فِي ٱلرُّؤْيَا، قَالَ لَهُ ٱلرُّوحُ: هُوَذَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ يَطْلُبُونَكَ... فقالَ لي الرّوحُ أنْ أذهَبَ معهُمْ غَيرَ مُرتابٍ في شَيءٍ. وذَهَبَ مَعي أيضًا هؤُلاءِ الإخوَةُ السِّتَّةُ. فدَخَلنا بَيتَ الرَّجُلِ ...}

أعمال ١٣: ٢-٤: {وبَينَما هُم يَخدِمونَ الرَّبَّ ويَصومونَ، قالَ الرّوحُ القُدُسُ: «أفرِزوا لي بَرنابا وشاوُلَ للعَمَلِ الّذي دَعَوْتُهُما إليهِ... فهذانِ إذ أُرسِلا مِنَ الرّوحِ القُدُسِ انحَدَرا إلَى سلوكيَةَ، ومِنْ هناكَ سافَرا في البحرِ إلَى قُبرُسَ}

أعمال ١٥: ٢٨: {لِأَنَّهُقَدْ رَأَى ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لَا نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هَذِهِ ٱلْأَشْيَاءِ ٱلْوَاجِبَةِأَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ، وَعَنِ ٱلدَّمِ، وَٱلْمَخْنُوقِ، وَٱلزِّنَا، ٱلَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ}

أعمال ١٦: ٦-٧: {وبَعدَ ما اجتازوا في فِريجيَّةَ وكورَةِ غَلاطيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرّوحُ القُدُسُ أنْ يتَكلَّموا بالكلِمَةِ في أسيّا. فلَمّا أتَوْا إلَى ميسيّا حاوَلوا أنْ يَذهَبوا إلَى بثينيَّةَ، فلَمْ يَدَعهُمُ الرّوحُ}

أعمال ١٨: ٥: {ولَمّا انحَدَرَ سيلا وتيموثاوُسُ مِنْ مَكِدونيَّةَ، كانَ بولُسُ مُنحَصِرًا بالرّوحِ وهو يَشهَدُ لليَهودِ بالمَسيحِ يَسوعَ}

أعمال ٢٠: ٢٨: {اِحتَرِزوا إذًا لأنفُسِكُمْ ولِجميعِ الرَّعيَّةِ الّتي أقامَكُمُ الرّوحُ القُدُسُ فيها أساقِفَةً، لتَرعَوْا كنيسَةَ اللهِ الّتي اقتَناها بدَمِهِ}

أعمال ٢٠: ٢٢- ٢٣: {والآنَ ها أنا أذهَبُ إلَى أورُشَليمَ مُقَيَّدًا بالرّوحِ، لا أعلَمُ ماذا يُصادِفُني هناكَ. غَيرَ أنَّ الرّوحَ القُدُسَ يَشهَدُ في كُلِّ مدينةٍ قائلًا: إنَّ وُثُقًا وشَدائدَ تنتَظِرُني}

فالروح القدس يقود المؤمنين الذين يسكن هو في داخلهم بطريقة مباشرة واضحة، وهو قاد المسيح وقاد التلاميذ ولا يزال إلى اليوم يقود المؤمنين الذين يطلبون منه في الصلاة أن يقودهم لمشيئة الآب في حياتهم وظروفهم، وخاصة في خدمة الرب وشعبه.

الروح والشهادة

ومن أهم أعمال الروح القدس هي الشهادة، فهو يشهد أن المسيح ابن الله ويجعل الأنبياء والتلاميذ ينطقون بهذه الشهادة، بل وإن وجوده في الكنيسة لهو شهادة لصحة كلام المسيح والكتاب، وشهادة على أن جميع المؤمنين يهودًا كانوا أم أممين هم مقبولين أمام الرب الذي ختمهم بنفس الروح، روحه القدوس الساكن فيهم شاهدًا لأرواحهم عن هويتهم، كما يقول الكتاب: {ونَحنُ شُهودٌ لهُ بهذِهِ الأُمورِ، والرّوحُ القُدُسُ أيضًا، الّذي أعطاهُ اللهُ للّذينَ يُطيعونَهُ} (أعمال ٥: ٣٢)، و { واللهُ العارِفُ القُلوبَ، شَهِدَ لهُمْ مُعطيًا لهُمُ الرّوحَ القُدُسَ كما لنا أيضًا} (أعمال ١٥: ٨).

ولكن ليس كل من يسمع عن الروح القدس يتجاوب معه كما يجب، بل نرى أن الكثيرين من الذين يسمعون كلام الله لا يقبلوه بل يرفضوا الإنصياع لروح الله، وإن استمر الإنسان في رفض ما يقوله الكتاب وتكذيب ما يقوله الرب، فلن يعرف الرب ولن يختبر خلاصه. ولهذا يحذرنا الكتاب من التجديف على الروح القدس قائلًا: {لذلكَ أقولُ لكُمْ: كُلُّ خَطيَّةٍ وتَجديفٍ يُغفَرُ للنّاسِ، وأمّا التَّجديفُ علَى الرّوحِ فلن يُغفَرَ للنّاسِ. ومَنْ قالَ كلِمَةً علَى ابنِ الإنسانِ يُغفَرُ لهُ، وأمّا مَنْ قالَ علَى الرّوحِ القُدُسِ فلن يُغفَرَ لهُ، لا في هذا العالَمِ ولا في الآتي} (متى ١٢: ٣١- ٣٢). لأن رفض كلام الروح القدس سيحرم مَن يرفضه من قبول خلاص الرب الذي بدونه لا سبيل للصلح مع الرب مهما فعل الإنسان. فخطية الإنسان التي أسقطته كانت عدم تصديق الرب والانصياع للبديل، كلام الشيطان وتعليمه، والخلاص هو بتصديق كلام الرب الذي قاد كتابة هذه الكلمات عن المسيح الذي {ليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم أخر تحت السماء، قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص} (أعمال ٤: ١٢). ولهذا فرفص هذا الكلام والاستهزاء به له نتيجة {ولكن مَنْ جَدَّفَ علَى الرّوحِ القُدُسِ فليس لهُ مَغفِرَةٌ إلَى الأبدِ، بل هو مُستَوْجِبٌ دَينونَةً أبديَّةً} (مرقس ٣: ٢٩)، ويؤكد المسيح هذا الكلام في قوله: {وكُلُّ مَنْ قالَ كلِمَةً علَى ابنِ الإنسانِ يُغفَرُ لهُ، وأمّا مَنْ جَدَّفَ علَى الرّوحِ القُدُسِ فلا يُغفَرُ لهُ. ومَتَى قَدَّموكُمْ إلَى المجامعِ والرّؤَساءِ والسَّلاطينِ فلا تهتَمّوا كيفَ أو بما تحتَجّونَ أو بما تقولونَ، لأنَّ الرّوحَ القُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ في تِلكَ السّاعَةِ ما يَجِبُ أنْ تقولوهُ} (لوقا ١٢: ١٠- ١٢). فواضح من هذه الكلمات أن هناك رفض كامل لكلام الروح من محاكمة الذين ينطقون بكلامه أمام رؤساء هذا العالم لأنه {روحُ الحَقِّ الّذي لا يستطيعُ العالَمُ أنْ يَقبَلهُ، لأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعرِفُهُ، وأمّا أنتُمْ فتعرِفونَهُ لأنَّهُ ماكِثٌ معكُمْ ويكونُ فيكُم} (يوحنا ١٤: ١٧). فالروح القدس يمكن أن يقاوَم كما نرى في أيام التلاميذ الأول يقولون للسامعين: {يا قُساةَ الرِّقابِ، وغَيرَ المَختونينَ بالقُلوبِ والآذانِ! أنتُمْ دائمًا تُقاوِمونَ الرّوحَ القُدُسَ. كما كانَ آباؤُكُمْ كذلكَ أنتُمْ} (أعمال ٧: ٥١). هذا من جهة المقاومة أو التجديف ولكن هناك أيضًا من يحاول الاحتيال على روح الرب وتجربته فينالون عواقب فعلتهم: {"ما بالُكُما اتَّفَقتُما علَى تجرِبَةِ روحِ الرَّبِّ؟ هوذا أرجُلُ الّذينَ دَفَنوا رَجُلكِ علَى البابِ، وسَيَحمِلونَكِ خارِجًا". فَوَقَعَتْ فِي ٱلْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ ٱلشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا. فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ ٱلْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا بِذَلِكَ} (أعمال ٥: ٩- ١١).

واليوم وبعد أن قرأت ما هو مكتوب عن الروح في البشائر والأعمال، كيف ستتعامل مع روح الله؟ هل ستقبله وتقبل قيادته في حياتك؟ هل ستقاومه وتجدف عليه؟ هل ستجربه وتراهن على حياتك؟ القرار لك!

شاركنا برأيك وأسئلتك

هل أعجبك المقال؟ شاركه مع الآخرين عبر الفايسبوك

Related

You need to login in order to comment