البديل - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
البديل
26 October 2018

البديل

 جلست في خلوة مع نفسي وكنت أفكر، من أين جاءت فكرة البديل؟ كيف يستطيع أحداً أن يكون بديلاً لأحدٍ آخر؟

 وأنا أفكر في هذه التساؤلات، وجدت فكري يأخذني إلى أبونا إبراهيم. لقد طلب الله من أبينا إبراهيم طلباً قاسياً. طلب منه أن يقدم ابنه حبيبه ذبيحة لله! كيف يطلب الله من إنسان طلب كهذا؟ كيف يتقبل العقل البشري طلباً كهذا؟ وهل له أي معنى؟ وإذ بالله يتدخل عند محاولة إبراهيم إطاعة أمر الله له ويقدم بديلاً. قدم الله ذبحاً عوضاً عن حياة ابن إبراهيم. أضحية من جنس الحيوان، هل تنفع أن تكون بديلاً عن جنس البشر وهي أدنى منه؟ 

ثم ذهب فكري إلى النبي داود، فبعد أن اختلى ببثشبع زوجة أوريا الحثي، وبعد حبلها منه ومؤامرته لقتل زوجها في سِفر صموئيل الثاني ١١، يقول الكتاب أن الرب أرسل النبي ناثان للنبي الملك داود قائلاً: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة أوريا الحثي لتكون لك امرأة. 

هكذا قال الرب: هانذا أقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهن لقريبك فيضطجع مع نسائك في عين هذه الشمس. لأنك أنت فعلت بالسر وأنا افعل هذا الأمر قدام جميع اسرائيل وقدام الشمس" (٢ صموئيل ١٢: ١٠- ١٢).

فاعترف داود الملك للنبي ناثان بخطئه وقال: "قد أخطأت الى الرب"، ولم يحاول أن يراوغ أو يجد لنفسه الأعذار. فهو وجّه اعترافه بالإتجاه الصحيح، كما فعل قبله النبي يوسف عندما رفض أخذ زوجة الزعيم المصري، رئيس الشرطة، فوطيفار، مع أنها قدمت نفسها له. فقال النبي يوسف، "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ الى الله؟" (التكوين ٣٩: ٩). فالخطأ، ومع أننا نقوم به ضد إنسان، إلا أننا نخطئ به إلى الله الذي هو مالِك كل الخليقة والذي يجد تعدينا ضد الآخر احتقاراً موجه ضده شخصياً، فبخطئنا ضد أحد ممتلكاته نخطئ لشخصه هو، وذلك واضح في الكتاب منذ أولى صفحاته. هذا بالإضافة إلى أننا نكسر قانون الله الذي سنه، فالخطأ الواحد يصبح متضاعفاً وفيه حق الذي نخطئ إليه وحق صاحب الملك، أي الله، وحق الله القانوني الذي قمنا بتجاوزه بتعدينا لشريعته. 

نعود إلى داود، إذ أجابه ناثان، "الرب أيضاً قد نقل عنك خطيتك. لا تموت!" كيف ينقل الرب عنه خطيئته وعلى من وضعها؟ يُكمل ناثان القول، "غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون فالإبن المولود لك يموت". من يموت عوضاً عن داود وخطيئته؟ من البديل؟ ابنه يموت. وعند موت ابنه، ستنوح المملكة وتصبح الخطيئة التي حاول داود إخفائها بقتله لزوجها قبل أن يُشهر الأمر، تصبح هذه الفضيحة بجلاجل، كما نقول في الشارع العربي. فما فعلهُ داود بالليل بالخفاء، أعلنه الله في الشمس للجميع، ومع أن الله قَبِل توبة داود إلا أنه هناك حق يفوق الحق العام، وهو الحق الإلهي، وهذا الحق يطلب نفساً عوضاً عن نفس المخطئ إليه، لأن شريعة الله تقول بكل وضوح أن النفس التي تخطئ موتاً تموت. فيجب أن يسدد أحداً هذا المُستحق.

وفعلاً مات الولد مع أن داود صام وصلى من أجل الصبي، إلا أن المُستحَق لا يُسدد بالصوم والصلاة، حتى من النبي، بل النفس تُسدد بالنفس.

وهذا ما حدث بعد ذلك، "فقال داود لعبيده "هل مات الولد؟ "فقالوا "مات". فقام داود عن الأرض واغتسل وادهن وبدل ثيابه ودخل بيت الرب وسجد ثم جاء إلى بيته وطلب فوضعوا له خبزاً فأكل. فقال له عبيده "ما هذا الأمر الذي فعلت؟ لما كان الولد حياً صمت وبكيت ولما مات الولد قمت وأكلت خبزاً!" فقال، "لما كان الولد حياً صمت وبكيت لأني قلت: من يعلم ربما يرحمني الرب ويحيا الولد؟ والآن قد مات فلماذا أصوم؟ هل أقدر أن أرده بعد؟ أنا ذاهب إليه وأما هو فلا يرجع إلي." وعزى داود بثشبع امرأته ودخل إليها واضطجع معها، فولدت ابناً، فدعا اسمه سليمان. والرب أحبه" (٢ صموئيل ١٢: ١٩- ٢٤). 

ولكن درس الإبن البديل فات الشعب وبدلاً من فهم أن النفس يجب أن تُفدى بنفس، أخذوا الموضوع أن خطيئة الآباء تغتفر بالأبناء وأن الآباء يفعلون الشر والأبناء يحصدون. ومع أن هناك ما يبدو حقيقة في بعض ما هو في هذه الجُمل، إلا أن الدرس الذي أراد الرب أن يلقنه للشعب هو أنه يجب أن يعطي الإنسان نفسه مقابل خطيئته ومع أن نفس الإبن البريئة قُدِّمت هنا نيابة وبديلاً عن نفس داود، إلا أن نفس الإبن بذاتها هي مولودة تحت الخطيئة ولا تستطيع في الأبدية ان تكون بديلاً لنفس داود لأنها يجب أن تعطي حساب نفسها. ولذلك تدخل الرب عبر النبي حزقيال لشرح الموضوع لأن الشعب فهم الموضوع خطأً، " وكان إليَّ كلام الرب قائلاً: ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض اسرائيل قائلين، "الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست"؟ حيٌ أنا يقول السيد الرب لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل. ها كل النفوس هي لي. نفس الأب كنفس الإبن. كلاهما لي. النفس التي تخطئ هي تموت" (حزقيال ١٨: ١- ٤).

ويضيف الرب عبر النبي ميخا سؤال كان يدور في قلب ذلك النبي، "بم أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي؟ هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة؟ هل يسر الرب بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت؟ هل أعطي بكري عن معصيتي، ثمرة جسدي عن خطية نفسي؟" (ميخا ٦: ٦-٧).

هكذا كان يسأل النبي عن البديل الذي يقدر أن يدفعه عن نفسه لكي يزيل عنه غضب الرب على الخطيئة. فأجابه الرب،

"قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح. وماذا يطلبه منك الرب؟ إلا أن تصنع الحق، وتحب الرحمة، وتسلك متواضعاً مع إلهك، وصوت الرب ينادي للمدينة والحكمة ترى إسمك: اسمعوا للقضيب ومن رسمه". من هو هذا القضيب؟ ما علاقته بالحكمة وما علاقته باسم الله ولماذا رسمه؟ هل هو قضيب تأديب؟ هل هو قضيب خلاص؟ الموضوع في السياق هو موضوع الخلاص والبديل. وهل كان القضيب للخلاص والتأديب بحسب التجاوب معه؟ فنحن نستخدم القضيب لنستند عليه كعكاز، وكذلك نستخدمه لكي ندافع به عن الضعفاء أو نؤدب به من هو مخطئ. ونرى نبوة في داود في خطاب بين الآب والإبن تذكر القضيب فيقول فيها الله، "لماذا ارتجّت الامم وتفكّر الشعوب في الباطل؟ 
قام ملوك الارض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين "لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما". الساكن في السماوات يضحك. الرب يستهزئ بهم....
أني أخبر من جهة قضاء الرب. قال لي: أنت ابني. أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وأقاصي الأرض ملكاً لك.تحطمهم بقضيب من حديد. مثل اناء خزّاف تكسّرهم.

فالآن يا أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعدة.
قبِّلوا الإبن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق، لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتكلين عليه!" (مزمور ٢: ١- ١١).

إذاً، القضيب الذي رسمه الله للتأديب والتحطيم هو أيضاً القضيب الذي وضعه الله ليتكل عليه البشر من أصغرهم لأعظمهم، للجميع. 

بعد النبي ميخا جاء النبي يوحنا الملقب يحيى والمعمدان، ونظر إلى المسيح وهو يعبر بقربه وقال "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم! هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي. وأنا لم أكن أعرفه. لكن ليظهر لإسرائيل لذلك جئت أعمد بالماء." وشهد يوحنا قائلا، "أنى قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقر عليه. وأنا لم أكن أعرفه. لكن، الذي أرسلني لأعمد بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه، فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس.

وانا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله". (يوحنا ١: ٢٩-٣٤).

كيف يكون المسيح ابن الله، وكيف يكون هو البديل الذي يقدر أن يأخذ مكان كل نفس؟ ان كان على كل نفس خاطئة أن تقدم نفسها فلن ينجو أي إنسان. ولا يمكن لإنسان بديل يقدم نفسه عن إنسان آخر. لأن النفس يجب أن تُفدى بنفس. وكل نفس خطّائة مخطئة منذ ولادتها، فأين الخلاص وأين البديل؟ نحن بحاجة لنفس مقابل كل نفس بشرية لكي نحيا للأبد، فمن أين نأتي بنفس مقابل كل نفس منذ الخليقة وإلى اليوم والنفوس تزيد كل يوم؟

وهل ذبح نفوسٍ بعدد النفوس الخاطئة التي أتت إلى هذا العالم عدل من الله؟ كيف يمكن لله أن يسمح بذلك؟ ومن أين ستأتي تلك الأنفس دون خلقِ آدم آخر؟ ولكن لو تغاضى الله عن حقه وعن قانونه وشريعته أليس ذلك أفضل؟ فقط يقول "خلاص مسامح!"، لكل شخص وانتهينا. ولكن هل هذا حق؟

ان قتلت أنا والدك أو ولدك وأنت لم يكن لك حول ولا قوة إلا بالله، ولجأت للرب، ولكن قال لي الرب: "خلاص، مسامح!" كيف ستشعر أنت؟

هناك حق ضائع يجب أن يُكمل. فالحياة الأبدية ستكون جحيم بضياع الحق. وهل عدل الله سيقبل بضياع الحق؟ وهل طهارة الله ستقبل العيش للأبد مع الخطيئة؟

جاء المسيح وقال عن نفسه أنه هو الحق، وهو الإبن الكامل البديل عن كل البشرية كونه الله. وعند موته على عود الصليب، قال، "قد أُكمِل! ونكس رأسه وأسلم الروح" (يوحنا ١٩: ٣٠).

 وبذلك يكون الله الذي خلق الكون وأعطى الإنسان الخيار هو نفسه الآب الذي أعطى الإنسان الحل نتيجة لخياره وتحمّل الله بنفسه مسؤولية خطأ الإنسان الذي أُعطي الخيار أن يخطئ. وبذلك أصبح الحق الكامل غير منقوص وظهرت رحمة الرب الكاملة بنعمة الخلاص الذي أعده. فالحق الكامل والعدل الكامل قد قدم الخلاص الكامل، ولأنه غير محدود، أصبح بديلاً غير محدود للبشرية كلها عبر التاريخ. ونرى لمحة عن فرحة البشر لمِا قام به الرب في الأنشودة الأبدية "وبعد هذا سمعت صوتاً عظيماً من جمع كثير في السماء قائلاً: هللويا! الخلاص والمجد والكرامة والقدرة للرب إلهنا. لأن أحكامه حق وعادلة..." (رؤيا يوحنا ١٩: ١- ٢).

وبذلك عندما تذهب إليه بخطئك وتطلب منه أن يخلصك لا يأخذ نفسك للأبد، بل يعطيك الحياة الأبدية. وعندما تسأله عن حقك عليّ كوني قتلت قريبك، يقول لك أنا فديت نفسه كما فديت نفسك، وأنا أيضاً أحييت قريبك، فهل هذا يكفي أم تريد أن أحاسب كل منكم عن نفسه؟ ويكون بذلك الحق والحياة، أي المسيح الإبن البديل، قد تمم كل بر، ومنح الخلاص والحياة لكل خاطئ يلجأ إليه. ولكن سيبقى من لا يلجأ إلى القضيب، صليب الفداء، ولا يخلص. بل، سيقع عليه قضيب تأديب الرب. تقول الكلمة عن المسيح أنه "من سقط هو عليه يسحقه" (متى ٢١: ٤٤). 

ويعطينا سفر الرؤيا لمحة عن ذلك، " ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً، وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو متسربل بثوب مغموس بدم، ويدعى أسمه "كلمة الله". والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض، لابسين بزاً أبيضاً ونقياً. ومن فمه يخرج سيف ماضٍ لكي يضرب به الأمم. وهو سيرعاهم بعصاًمن حديد، وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا يوحنا ١٩: ١١- ١٦).

فهل سنقبل الإبن البديل لنحيا للأبد؟ أم سنجعله يقع علينا بغضبه لعنادنا فيدمرنا ويسحقنا؟

 

 

 

 

 

Related

هل تريد أن تختبر الخلاص من الخطية وثقلها؟
هل تريد أن تحيا حياة أفضل على الأرض وحياة أبدية مع الله؟
أطلب من الرب أن يخلصك من خطيتك وأقبل المسيح كبديل عنك في حمل خطيتك.
صلّي معنا هذه الصلاة:

 

يا رب يسوع، أنا أعلم وأعترف بأنني خاطئ، وأني بحاجة لغفرانك.
أنا أؤمن أنك مت عني على الصليب لكي تدفع ثمن خطاياي، وقمت من الأموات لكي تمنحني الحياة الأبدية.
أنا أعلم أنك الطريق الوحيد إلى الله، لذلك سوف أتوقف عن العناد والعصيان وأبدأ حياتي معك من الآن، وسوف أحيا معك ولأجلك مدى حياتي. سامحني واغفر لي خطاياي يا رب وغير حياتي وعلمني كيف أعرفك أكثر.

باسم الرب يسوع. آمين.