الخالق في قفص الاتهام - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
الخالق في قفص الاتهام
31 July 2019

الخالق في قفص الاتهام

كثيراً ما يُسمع اليوم اتهام موجه للخالق، إما مباشرة في طريقة تصرفه مع خلقه، وإما بطريقة غير مباشرة باتهام كلماته بأنها قد حُرِّفت وأنه عجز عن حفظها، عجزه المعهود في حفظ كل ما أنزله من كتب، كما يقول الذي يوجه الاتهام. فتوجه استخدام هذا السؤال يعتمد على السائل ومغزاه ومرامه من سؤاله.

واتهام اليوم هو أن آدم وحواء كانوا كالأطفال أبرياء لا يعرفون ماذا يفعلون ولذلك كان من غير اللائق بالخالق أن يعاقبهم بعقاب قاسٍ، كما دوِّنَ في توراة موسى. والسؤال يُطرح بطرق مختلفة، ومختصره ان الشجرة التي أكل منها آدم وحواء هي لمعرفة الخير والشر، فكيف سيحاسب الرب آدم إن لم يكن يعلم الخير والشر؟

للإجابة على هذا السؤال سننظر للأمر من منظارين، الأول هو النص والثاني هو التطبيق.

النص في التوراة يقول بوضوح، "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض" (تكوين ١: ٢٦).

من هذا النص يُفهم أن الإنسان أُعطيَ سلطاناً لتدبير كل شيء على الأرض وتدبير الأرض نفسها. فكيف سيدبر طفل بريء العالم كله وينظمه ويديره إن كان لم يعطى معرفة للقيام بذلك؟ هل تأخذ طفل وتطلب منه أن يدير أعمالك؟ فكيف لآدم وحواء القيام بكل هذه الأمور إن لم يُعطوا معرفة؟

يُكمل موسى ويعطينا صورة أوضح عن مدى معرفة آدم وحواء "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم وباركهم الله وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض"، وأضاف الخالق: "إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً لكم يكون طعاماً. ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضر طعاماً. وكان كذلك" (تكوين ١: ٢٧- ٣٠). هل كل هذه المسؤولية تعطى لأشخاص لا علم لهم ولا معرفة؟ هل وكلهم الخالق على خليقته وهم بدون معرفة تساعدهم على القيام بمهامهم؟ طبعا ً الجواب لا. والواضح من النص أنهم لم يعترضوا على اعطائهم هذه المسؤولية.

ونرى أيضاً أن آدم هو من أعطى كل أنواع الخليقة أسماء بحسب أصنافها "وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها.  فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره" (تكوين ٢: ١٩- ٢٠). اليوم ندعو من يصنف المخلوقات ويدعوها بأسمائها عالم في الأحياء وغيرها من العلوم. فآدم لم يكن ينقصه القدرات العلمية أبداً. وحتى قدرات التحليل المنطقي واضحة عنده إذ نراه عندما صنع الرب حواء وأتى بها إليه يقول: "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنها من أمرئ أُخِذت" (التكوين ٢: ٢٣). إذا قدرات آدم الفكرية والتحليلية واضحة وبراءته بالنسبة لاختباره للخطية لا تعني أنه لم يكن له القدرة على التحليل والتفكير واختيار الطاعة أو العصيان، ولو كان ذلك عن عدم خبرة بالخطية.

وماذا عن معرفتهم بضرر شجرة معرفة الخير والشر؟ لننظر إلى سفر التكوين أيضاً.

يخبرنا الكتاب أن الرب أخذ آدم وشرح له ماذا سيحدث إن أكل من ثمار تلك الشجرة وأوصاه كما يوصي الآب ابناً له وحذره من نتيجة ما سيحدث إن أكل منها. "وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت" (التكوين ٢: ١٦- ١٧).

وماذا عن حواء؟ هل كانت تعلم عن وصية الرب لآدم؟

عندما حاول الشيطان أن يغوي حواء لكي تأكل من الشجرة، أجابت حواء: "من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا" (التكوين ٣: ٢-٣). من هذا نفهم أن حواء كانت على علم واضح بوصية الخالق لهما أن لا يأكلا من ثمر الشجرة وتأثير مفعول هذا الثمر على أجسادهما.

هذا من الناحية الكتابية وكون الكتاب يشبه الخطية والعصيان للخالق في نظر الخالق بالزنى في نظر الإنسان، سنعطي مثلاً عن ذلك هنا من ناحية التطبيق. فإن قلت لابنك الذي قد يكون سمع عن شيء يدعى الجنس وعن ممارسته من أصدقائه بأنه عليه أن يتجنب القيام بذلك خارج الجواز لما قد يتأتى من تلك الممارسة. وإن قلتي أختي القارئة لابنتك نفس الكلام وقام هؤلاء بعصيانكم واقاموا علاقات جنسية وحبلت البنت من نتيجة تلك العلاقات هل تقولون إنهم لم يكونوا يعرفون ما هو الجنس ولذلك لم يخطئوا بما قاموا به مع أنكم قمتم بدوركم كأولياء أمر وأوصيتموهم بعدم القيام بذلك؟  هل لم يحصل أي شيء خطأ لأنهم كالأطفال الأبرياء بالنسبة لمعرفتهم بالجنس ولذلك لا يوجد أي مشكلة؟  الواقع ان ما قاموا به سيرافقهم مدى الحياة وإن غفرتم لهم كأب وكأم فهذا لن يغير التأثير الذي أصابهم واصابكم كعائلة لمدى العمر.

 وهذا ما حدث مع آدم وحواء "فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان" و"اختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة" (التكوين ٣: ٧).

وإلى اليوم الكل يموت نتيجة لعصيان آدم وحواء وبسبب مفعول ثمر الشجرة التي أكلا منها وتأثيره على الجسد، وأنا وانت سنموت نتيجة لذلك، شئنا أم أبينا.

شاركنا برأيك وأسئلتك

هل أعجبك المقال؟ شاركه مع الآخرين عبر الفايسبوك

 

 

 

 

 

Related

You need to login in order to comment