تلمذة - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
أعرف عدوك ٣
15 September 2020

أعرف عدوك ٣

تجارب الوحدة

كان يسير وكأن أحد يقوده، إلى مكان نظر حوله فيه فلم يجد بيته، مكان موحش، مكان غريب. أين ما هو مألوف ومعروف؟ أين الجيران والأحباء؟ أين مكان عملي وأين البياعين؟ هذا المكان فعلاً غريب. من جاء بي إلى هذا المكان؟ مكان أنا فيه وحيد؟ مكان لا يوجد فيه ما يشفي الغليل. إلى من يلجأ في هذا المكان المقفر؟ هل يتكل على قوته ومعرفته؟ ماذا أتى به إلى هنا؟

يقول الكتاب، وذلك بعد أن اعتمد المسيح من يوحنا المعمدان، {ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ مِنَ ٱلرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ} (متى ٤: ١). كل شيء في الحياة له دور ووقت، للحفلات وقت وللانعزال وقت، للاستقرار وقت ولعدم الاستقرار وقت، للجمع وقت وللتفريق وقت، للتجمع وقت وللوحدة وقت. هذا ما كان يرمي إليه النبي سليمان في كتابه الذي يجمع فيه حكمته في نظرته للحياة من بدايتها لنهايتها، سفر الجامعة. 

نعم، للوحدة وقت يقودنا إليها روح الله لكي نكون وجهاً لوجه مع أنفسنا، ونعرف معدننا. وهذا المسيح يقاد إلى البرية ليُجرب. لقد جاء وقت الامتحان، والمجرب دائماً مستعد أن يظهر لله أننا غير مستحقين. أننا فاشلين. أننا سنسقط، إذا كذبنا الله وكلمته ووعوده.

تجربة الاحتياجات الأساسية

التجربة الأولى كانت في محور هام لكل منا، لقمة العيش. تقول كلمة الرب: {فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا} (متى ٤: ٢). لقمة العيش صعبة وكلنا واجهنا ونواجه تجارب وصراعات في هذه الحياة لكي نؤمنها لأنفسنا ولعائلاتنا. وفي أصعب الظروف، أربعين يوم بدون طعام، تقول الكلمة: {فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزًا} (متى ٤: ٣). كلمات "إن كنت" تترجم أيضاً "بما أنك"، وفي كلتا الحالتين، هناك تشكيك بدعوة الله والعلاقة معه، ودعوة للاتكال على الذات عوضاً عن انتظار الرب والاتكال عليه وتصديق كلمته. 

طبعاً المسيح ابن الله، إذاً، ما المانع أن يحول الحجارة إلى خبز؟ أليس هو من سيحول الماء إلى الخمر في عرس قانا؟ أليس هو من سيطعم الآلاف خبزاً وسمكاً أكثر من مرة؟ لماذا عليه أن يختبر الجوع ما دام قادراً على الاتكال على نفسه وتحويل الحجارة إلى خبز؟

تقول الكلمة: {فَأَجَابَ وَقَالَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللهِ} (متى ٤:٤).

إن حياة الإنسان ليست مجرد أكل وشرب ونوم وموت. هناك بُعد آخر لحياة الإنسان وهو البعد الروحي. كم مرة جرب الشيطان أشخاصاً كثيرين ويجربهم بجعل تفكيرهم يركز على المادة فقط. بل وصل بالبعض منهم إلى الإيمان بما هو مادي والاستهتار، بل والسخرية، بما هو غير مادي. ولكن المسيح لم يقع في هذا الشباك ولم يقبل فقط إشباع الجسد على حساب الروح، وأصر، وهذا من أجل تعليمنا نحن الذين وصلت إلينا كلمة الله، أن البعد الروحي بعد حقيقي وهام للإنسان وسبب وجوده ومصيره، كما تقول كلمة الله، التي بدونها لن يجد الإنسان سبب حقيقي للوجود.

هذا ما توصل إليه النبي سليمان في كتاب الجامعة، فبعد أن جرب كل ملاذ ومتع هذه الحياة نراه يقول: {فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ: اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ} (الجامعة ١٢: ١٣). وفي هذا نرى أن الاهتمام بالبُعد الروحي لا بد منه لتكميل الإنسان، فالإنسان ليس جسداً فقط. الاهتمام بالجسد ضروري جداً كأهمية الاهتمام بالزجاجة التي تحوي الماء للحفاظ على الماء، يجب أن نهتم بالجسد الذي هو هيكل الروح. ولكن كما لا نهتم فقط بقنينة الماء وننسى الماء، هكذا أيضا يجب ألا نهتم فقط بالجسد وننسى البُعد الروحي.

والآية التي استخدمها المسيح في رده على المُجرّب أتت من توراة موسى. في سفر التثنية نقرأ: {فَأَذَلَّكَوَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ} (تثنية ٨: ٣). وفي هذه الآية تذكرة لشعب إسرائيل الذي خرج من مصر مع موسى بأن الله هو الذي يحيي وكلمته لا غنى عنها لأننا بها نحيا ونتحرك ونوجد.

تجربة الاحتياجات النفسية

وكانت نتيجة التجربة الأولى واحد للمسيح وصفر للشيطان وبدأت المبارة الثانية. تقول الكلمة عن التجربة الثانية: {ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ ٱلْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللهِ فَٱطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ} (متى ٤: ٥-٦).

للوهلة الأولى كنت أتساءل، ما هذا الطلب الغريب. ولكن بعد التأمل وجدت فيه عدة دروس هامة عليّ أن أنتبه لها في حياتي. لاحظ أنه أخذ المسيح إلى المدينة المقدسة وأوقفه على الهيكل، لماذا يطلب منه أن يلقي بنفسه لكي يظهر الملائكة ويحملوه أمام أنظار كل من يرى حدوث ذلك؟ هل يحاول أن يدفعه لاختيار الشهرة، بل قمة الشهرة كنبي؟ مقدماً له  طريق التبجيل والتقدير، طريق الاحترام والاعتبار، عوضاً عن طريق الآلام التي كان سيسير عليها؟ طريق الآلام ليس هو الطريق المفضل بالنسبة لنا ولكن إن طرح المسيح نفسه لما خلص أحداً.  قد يختار الله طريقاً لنا ليست مما نختاره، طريق الوحدة الموحشة، طريق آلام كالطريق التي سار عليها المسيح. هناك دائماً فرص لتجنبها وطرق لتخطيها، ولكن الوصول للهدف لن يكون ممكناً سوى عبر العبور من خلالها. قد نخسر تقدير الناس وتبجيلهم لنا ونعاني من الوحدة وعدم الاعتبار والاحترام بسبب اتباعنا للمسيح ودعوته لنا. ولكن بدونها لن نعرف معنى الفرح الحقيقي، الفرح الذي يسميه الكتاب، فرح سماوي، فرح لا ينطق به ومجيد عندما نتعلم أن نقول، لتكن مشيئتك. 

الدرس الثاني من هذه التجربة هو النظر إلى الأمور بسبب علاقتنا مع الله على أننا نستحق أشياء قد لا يوافق عليها الرب، مع أنها قد تبدو لنا بريئة ومقنعة. أي مكانٍ أفضل للمسيح من الهيكل والمدينة المقدسة؟ كيف يكون الصليب أفضل؟ من منظار بشري قد يكون الوقوف على الهيكل وظهور الملائكة وهي تخدم المسيح أكبر إعلان عن هويته وتأييد الآب له. من يرى أن الصليب هو أفضل إعلان للمخلص حتى وإن اسودت السماء حِداداً عليه في منتصف النهار؟ 

الدرس الثالث من هذه التجربة هو معرفة الشيطان الواضحة لكملة الله واستخدامه أجزاء منها لكي يضل من يستطيع أن يضله. وما أكثر من يأخذ بعض الكلمات من كلمة الله ويحاول من خلالها أن يبني حجة ضد كلمة الله واتباعه. هذا بالفعل ما صنعه الشيطان هنا، أخذ جزء من كلمة الله واستخدمه في محاولة لجعل المسيح يسقط في التجربة.

فكان جواب المسيح من كلمة الله ذاتها: {قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لَا تُجَرِّبِ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ} (متى ٤: ٧). وهذه الآية هي من نفس الكتاب الذي استخدمه المسيح في الإجابة على التجربة الأولى، {لاَ تُجَرِّبُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ كَمَا جَرَّبْتُمُوهُ فِي مَسَّةَ} (تثنية ٦: ١٦). وهنا نرى أنه قد تبدو الأمور أنها مقبولة في بعض أجزاء كلمة الله ولكن قبل الإسراع في الحكم، علينا أن نتأكد بأنها توافق كل الكتاب وليس فقط الأجزاء التي قد تعطينا عبر لوينا لعنق الآيات وسياقها ما نريده في ذلك الحين. فالشيطان ذكي واستطاع إسقاط أمنا حواء وأبونا آدم عبر تشكيكهم بكلمة الله وهما بلا خطية، فكم بالأحرى يستطيع إسقاطنا نحن الذين ورثنا الخطية بعد سقوطهما.

تجربة تحقيق الذات

وكانت نتيجة التجربة الثانية، اثنان للمسيح وصفر للشيطان وبدأت المباراة الثالثة. تقول الكلمة عن التجربة الثالثة: {ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضًا إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدًّا، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي} (متى ٤: ٨-٩). أولاً نرى أنه أخذ المسيح إلى جبل عالٍ جداً. لا يذكر الكتاب أين هذا الجبل، ولكن هل تذكر سقوط الشيطان؟ هل تذكر ما قاله الكتاب عنه وعن محاولته الارتفاع فوق الجميع؟ موضوع الجبل والارتفاع موضوع مهم بالنسبة للشيطان وها هو يجرب المسيح في نفس التجربة التي سقط هو بسببها، إعلاء نفسه. نرى أيضاً هنا أن ما عرضه الشيطان على المسيح هو ما سيحصل عليه المسيح في المستقبل، إذ سيدفع إليه كل سلطان، ولكن الشيطان حاول تقصير المسافة. ألم يكن يعلم قوة الرب وأن جميع الأمم ستخضع له في النهاية؟ {لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ} (فيلبي ٢: ١٠ – ١١).

 ولكنه أعطاه الطريقة السريعة لتحقيق الذات، اسجد لي. وان كنت تظن أن السجود لله وحده، أنت محق. ولكن كم من بشري سجد ويسجد لكي يحقق مكاسب فورية عوضاً عن انتظار أن يحقق الرب هدفه في حياته وفي الأمور التي تعاصره؟ ولكن إجابة الرب يسوع حينئذ كانت: {ٱذْهَبْ يا شَيْطَانُ! لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ} (متى ٤: ١٠). وبهذه الكلمات انتهت تجارب الوحدة بين المسيح وابليس، {ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ} (متى ٤: ١١). 

مرة أخرى نجد المسيح يجيب من سفر التثنية، {الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ} (تثنية ٦: ١٣). عندما سمعت مرة أحد الوعاظ يذكر أن إجابات المسيح كانت كلها من سفر التثنية قلت في نفسي "غير ممكن! مستحيل!" قد تستغرب ردة الفعل هذه ولكني سأقول لك السبب. في حداثتي في الإيمان أخذت على عاتقي أن أكون مشير الرب وأقول له ما يجب أن يكون في كتابه وما لا يجب أن يكون. وكتاب التثنية، حتى في اسمه، يبدو وكأنه إعادة لما تقدم ذكره في الكتب التي سبقته. فكنت دائماً أتساءل عن سبب وجود هذا الكتاب كجزء من التوراة. فيا للوهلة عندما اسمع أن المسيح استخدم هذا الكتاب عينه في رده ومقاومته لتجارب إبليس. كيف يستخدم الكتاب الذي طالما نظرت إليه نظرة دونية ويقف به أمام قوة شر روحية مثل إبليس؟ 

تلمذة:

لقد كان هناك تصاعد في محاولة إسقاط المسيح ربما تذكرك بما درست عن تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات. ولكن المسيح لم يستخدم قوة غريبة عنا للتصدي لهذه التجارب، بل اتكل على الكتاب وأجاب بكلماته كما يستطيع كل واحد منا أن يفعل. ما هو موقفك اليوم من كلمة الرب؟ هل تثق بها كما هي وتستخدمها كبوصلة لحياتك؟ أم هل ترفع نفسك فوق العلي وتريد أن تجلس في الأعالي فوق الجميع، وفوق كلمة الله الحية؟ أم هل تتضع تحت يد الله القوية لكي يرفعك في حينه؟ اسأل الرب أن يظهر لك سبب الوحدة التي تمر بها الآن واطلب منه أن يعلن لك ذاته.

اعرف عدوك ١

اعرف عدوك ٢

شاركنا برأيك وأسئلتك

هل أعجبك المقال؟ شاركه مع الآخرين عبر الفايسبوك

Related

Not any article

هل تريد أن تختبر الخلاص من الخطية وثقلها؟
هل تريد أن تحيا حياة أفضل على الأرض وحياة أبدية مع الله؟
أطلب من الرب أن يخلصك من خطيتك وأقبل المسيح كبديل عنك في حمل خطيتك.
صلّي معنا هذه الصلاة:

 

يا رب يسوع، أنا أعلم وأعترف بأنني خاطئ، وأني بحاجة لغفرانك.
أنا أؤمن أنك مت عني على الصليب لكي تدفع ثمن خطاياي، وقمت من الأموات لكي تمنحني الحياة الأبدية.
أنا أعلم أنك الطريق الوحيد إلى الله، لذلك سوف أتوقف عن العناد والعصيان وأبدأ حياتي معك من الآن، وسوف أحيا معك ولأجلك مدى حياتي. سامحني واغفر لي خطاياي يا رب وغير حياتي وعلمني كيف أعرفك أكثر.

باسم الرب يسوع. آمين.