ماذا ترى؟ - Altalmaza.com > التلمذة الروحية > Article Details
X
GO
ماذا ترى؟
02 December 2019

ماذا ترى؟

تراها تجلس أمام المرآة، تضع اللون وراء الآخر على وجهها في مباراة بينها وبين اللواتي سيحضرن المناسبة، وهي تفكر مع كل رمش تحاول رفعه ومع كل فرشاة تلمس خَدَيها، هل أصبحت أجمل؟ هل ستنظر إليَّ السيدات على أني الأجمل أو على الأقل من ضمن مَن هم جميلات؟ هل سأكون الأجمل في عينَي زوجي؟ هل سينظر إليَّ خطيبي ويطمئن على اختياره؟ هل أنا على أفضل ما أكون عندما أقدم نفسي للمجتمع؟ ربما لمسة أخيرة من الفرشاة ستجعلني أبدو على أحسن وجه. تأتي صاحباتها في المناسبة ويهنؤونها على جمالها ويتغزلون به على صفحاتهم الاجتماعية في حديثهن مع بعض عسى أن يرفعن معنويات بعضهن البعض.

ولكن لم يكن هذا حال بطلة هذه القصة. فقد أتت متخفيه في حر النهار لتأخذ بعض الماء لتبرد وترطب ريقها. لم تكن تريد أن تراها نساء القرية الأخريات. بل لم تكن تريد أن يراها أحد. أكل عليها الدهر وشرب وهي هنا ظمآنة للحنان والاعتبار وجوعانة لكي يراها الآخرين كإنسانة تستحق الحب ومسكينة تستحق الشفقة. ولكن ليس اليوم. لا تريد أن يراها أحد اليوم. نظرت وإذ برجل يبدو وكأنه رجل دين متجه نحوها. كان هذا آخِر ما تريد. أرادت أن تبعد عن العالم لكيلا يحكم عليها وها رجل دين يسير في اتجاهها. قالت في نفسها: "ماذا يريد هذا الآن؟أن أسقيه؟ لماذا يطلب هذا الرجل مني أن أسقيه؟ ألا يعلم أني لست من دينه؟ مَن يظن نفسه؟ وكيف كان سيسقي نفسه وهو لا وسيلة معه لجمع الماء؟ سألقنه أنا درسًا في الدين."

لم تكن هذه المرأة تريد أن تكره العالم ولكنها لم تَرَ من الآخرين سوى الاستغلال والاستخدام لملء فراغهم وجوعهم وعطشهم. كانت تعلم أن نظرتهم لها ليست صحيحة ولكنها ومع الوقت أصبحت ترى أن لا منفذ لها وأنهم ربما على حق وأنها هي مَن تظن في نفسها أكثر مما ينبغي. هل العالم كله مخطئ ومشاعرها هي الصحيحة؟ لا بد أنها مخطئة وعليها أن تحيا كما يشاء لها المجتمع أن تحيا. ولكن هذا لا يعني أنها لن تدافع عن دينها. فما علاقة أنها تعاشر كل هؤلاء الرجال الذين عاشرتهم، ما علاقة ذلك بما تؤمن به شخصيًا. صحيح أن الناس قد حكموا عليها بسبب حياتها واختياراتها ولكنها تملك عقلًا وتسمع وتعرف أشياء عن الدين ولديها أسئلتها الخاصة. وها رجل الدين هذا يتحدث معها ولا يعلم ماضيها ومَن هي. فكيف يعلم وهو من بلد آخر ومن دين آخر؟ هذه فرصة جيدة للدفاع عن دينها وفرصة جيدة لتسأل أسئلتها. فأخذت تسأل.

أذكر ذلك الشعور الذي انتابني لأول مرة عندما شاهدت أحد الأفلام وسؤل به هذا السؤال: "عندما تنظر إليَّ، ماذا ترى؟" هذا السؤال جعلني أتساءل، كيف أنظر إلى الناس وماذا أختار أن أرى فيهم؟ وجعلني أسأل، ماذا يرى الناس عندما ينظرون إليَّ؟ وعندما توقفت مرة مع نفسي أصبحت أتساءل، ماذا أرى؟ كيف أنظر أنا إلى نفسي؟ وهذا ما قادني إلى السؤال الأهم بالنسبة لي، عندما ينظر الله إليَّ، ماذا يرى؟

بعد التأمل الطويل في هذه الأسئلة ومع قراءتي لكلمة الرب، وجدت أن هناك نوعين من العدسات يمكن النظر من خلالهما إلى كل شيء وهن تحددن الإجابات على هذه الأسئلة. العدسة الأولى هي عدسة الرب التي نعرفها من ضوء كلمته والعدسة الثانية هي عدستنا نحن، عدسة آدمية بحاجة للإضاءة الصحيحة لترينا الصور على حقيقتها. وبهاتين العدستين يمكن أن ننظر إلى كل شيء، إلى الرب وعلاقتنا معه وإلى أنفسنا وإلى الآخرين.

العدسة الآدمية، عدستنا الإنسانية، تحاول أن ترينا العالم من خلال فكرة معينة، من وجهة نظر معينة، وهذه الفكرة هي من الأفكار الآدمية. وكون آدم صار مختبرًا الخير والشر، فهذه العدسة قد ترينا الخير وكأنه قمة الشر، وقد ترينا الخير على أنه بالفعل خير ويجب أن نحمده ونفعل مثله. وكما تفعل بالخير، تفعل هذه العدسة بالشر أيضًا، فقد ترينا الشر على أنه خير يجب أن نحمده ونقلده، وقد ترينا بشاعة الشر وتشجعنا على تجنبه. وهذا يجعل للواقع عدَّة أطراف. إنَّ الواقع هو الواقع ولكن لا أحد ينظر إليه كما هو، بل ننظر إليه عبر العدسات. هذه العدسات هي التي تحدد لنا الواقع. إن كنت لا تصدق، اذهب وانظر إلى مواقع تواصل الأخبار واقرأ التعليقات عليها وستجد بسرعة أن النظرة إلى نفس الواقع مختلفة بسبب العدسة التي ننظر بها إلى الواقع. ولكن وقبل أن نحكم على العدسة، علينا أن نرى الطرف الآخر في هذا التواصل، أنا وأنت. 

لكي نرى الواقع على حقيقته علينا أن نعمل على الإضاءة. دعونا نلقي نظرة على كلام رجل اختبر النظر عبر الإضاءة الصحيحة وأخذ بسببها أعلى جائزة من الله نفسه: لقب "رجل حسب قلب الله"، هذا الرجل قال لنا عن الإضاءة التي ساعدت عدسته على رؤية الأمور على حقيقتها وهي "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مزمور ١١٩: ١٠٥). العدسة التي ننظر بها للآخرين عندنا بعض السيطرة عليها. هذا إذا أخذنا الوقت لنراهم من منظار كلمة الرب عوضًا عن النظر إليهم من منظار آدميتنا. فإن نظرنا عبر عدسة الرب من خلال كلمته نرى أنه يحب كل البشر، وأنه يريد أن الجميع يخلصون، وأنه لا يريدنا أن ندين أحدًا، بل نترأف على البشر كما هو يترأف عليهم، ونغفر لهم زلاتهم، كم مرة؟ قال إنَّ علينا أن نغفر للشخص في اليوم الواحد ٤٩٠ زلة. ولكي يقرب لنا الفكرة، قال بنفس الكيل الذي نكيل به للآخرين سيكيل هو لنا. فبعدد المرات الذي لا نريد للرب أن يغفر لنا نستطيع ألا نغفر للآخرين وذات الأشياء التي لا نريد الرب أن يغفرها لنا، نستطيع ألا نغفرها للآخرين. بعدستي الآدمية قد أنظر إلى امرأة مع رجال ليسوا أزواجها على أنها كاسرة لشريعة الرب، أما بعدسة الرب نراه ينظر إليها على أنها امرأة بحاجة لمحبته وخلاصه. هذا لا يعني أن الرب لا يرى ما فعلت، بالعكس، لقد عَدَّ أمامها كل خطياها التي لم تطلب من أجلها الغفران، ولكن ليس لكي يدينها، بل ليريها ما يراه وهو احتياجها لبداية جديدة معه. 

وبنفس هذه العدسة الآدمية قد نجد أنفسنا نُحاسب أنفسنا وهذا جيد وقد يكون ضروري لكي نتفحص أنفسنا ونعدل عدستنا لما هو متناسب مع الرؤية الصحيحة لكيلا يحكم الآخرين علينا بسبب سوء فعلنا، ويكونوا على حق. ولكن قد نحتاج أيضًا هنا أن نعود لعدسة الرب لننظر لأنفسنا النظرة الصحيحة. تقول كلمة الرب للمؤمنين: {وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ ٱقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ ٱلَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ ٱلظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ ٱلْعَجِيبِ. ٱلَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا ٱلْآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ ٱللهِ. ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا ٱلْآنَ فَمَرْحُومُونَ} (ا بطرس ٢: ٩- ١٠). هكذا يراك الرب عبر عدسته. هل هكذا ترى نفسك كمؤمن؟ هل ترى نفسك أنك موضع رحمة الله؟ أم لا تزال تنظر لنفسك بأنك مُدان؟ إن نظرت لنفسك كما فعل الرجل الذي "حسب قلب الله" سترى الأمور بحسب عدسته، {كبعد المشرق من المغرب أبعد عنا معاصينا} (مزمور ١٠٣: ١٢). هل تعيش كل هذه الألقاب التي لقبتك بها كلمته؟ أم هل أنت كأمير وهل أنتِ كأميرة باعوا مكانتهم بأشياء لا قيمة لها. حان الآن موعد النظر لأنفسنا كما يرانا الله والعيش كما يليق بهذه المقامات. حان الآن موعد إنارة العالم بوجودنا.

ومن خلال نفس هذه العدسة الآدمية قد ننظر إلى الله خارج ضوء كلمته. وعليها قد نرى الله من خلال ظروفنا وما يفعله أو ما لا يفعله لنا. أذكر مرة عندما كنت أقود السيارة إلى العمل وأخاطب الرب لماذا أراه بشكل معين كلما أجلس معه وأحادثه، وكان قد حدثني عن أمور حدثت بالضبط كما أخبرني عنها قبل حدوثها. فأجابني الرب، أنت تنظر إليّ من خلال نظرتك الشخصية لي، هذه عدستك وليست حقيقتي. أنت تعلم مَن أنا وكلمتي واضحة. كان من الصعب يومها أن أكمل قيادة السيارة من قوة الموقف وحضور الرب، ولكن انتبهت عندها لشيء هام وهو أننا بنفس العدسة ذات المعايير الخاطئة التي ننظر بها للآخرين والتي قد ننظر بها لأنفسنا، بذات تلك العدسة قد ننظر إلى الرب شخصيًا وإلى علاقتنا معه.

عندها تذكرت وعود الرب التي أخذت تتدفق ومنها:

{لِأَنِّيعَرَفْتُ ٱلْأَفْكَارَ ٱلَّتِي أَنَا مُفْتَكِرٌ بِهَا عَنْكُمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَفْكَارَ سَلَامٍلَا شَرٍّ، لِأُعْطِيَكُمْ آخِرَةً وَرَجَاءً. فَتَدْعُونَنِي وَتَذْهَبُونَ وَتُصَلُّونَ إِلَيَّ فَأَسْمَعُ لَكُمْ. وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ} (ارميا ٢٩: ١١- ١٣). 

{لَاتَخَفْ لِأَنِّي مَعَكَ. لَا تَتَلَفَّتْ لِأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَبِيَمِينِ بِرِّي} (إشعياء ١٤: ١٠).

{إِنِٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَاوَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ} (ا يوحنا ١: ٩).

{ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱلِٱبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَٱلَّذِي لَا يُؤْمِنُ بِٱلِٱبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ ٱللهِ} (يوحنا ٣: ٣٦).

الوعود كثيرة للمؤمنين ولغير المؤمنين في الكتاب، ولكن السؤال في هذا اليوم هو بعدسة مَن ستنظر إلى الآخرين؟ بعدسة مَن ستنظر إلى نفسك؟ وبعدسة مَن ستنظر إلى الله وعلاقته معك؟ 

أما المرأة التي لم تكن تريد أن يراها أحد، وكانت على البئر في حرِ يوم الصيف ذلك، تحوَّل ظمأها إلى أنهار باردة تروي عطش الآخرين وتثلج قلوبهم، وانتهت قصتها هكذا: {فَتَرَكَتِ ٱلْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: «هَلُمُّوا ٱنْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ؟». فَخَرَجُوا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ} (يوحنا ٤: ٢٨- ٣٠). وبسببها آمن الكثيرين. 

أعزائي القراء، دعونا نبدأ من اليوم في النظر إلى أنفسنا، والنظر إلى الآخرين، بل والنظر إلى الرب ذاته وعلاقتنا معه من خلال عدسة الرب التي هي كلمته.

 خذ قرار الآن وابدأ بتجديد طريقة نظرتك لهذه الأمور لكي تختبر إرادة الله الحية والمرضية والكاملة.

شاركنا برأيك وأسئلتك

هل أعجبك المقال؟ شاركه مع الآخرين عبر الفايسبوك

Related

هل تريد أن تختبر الخلاص من الخطية وثقلها؟
هل تريد أن تحيا حياة أفضل على الأرض وحياة أبدية مع الله؟
أطلب من الرب أن يخلصك من خطيتك وأقبل المسيح كبديل عنك في حمل خطيتك.
صلّي معنا هذه الصلاة:

 

يا رب يسوع، أنا أعلم وأعترف بأنني خاطئ، وأني بحاجة لغفرانك.
أنا أؤمن أنك مت عني على الصليب لكي تدفع ثمن خطاياي، وقمت من الأموات لكي تمنحني الحياة الأبدية.
أنا أعلم أنك الطريق الوحيد إلى الله، لذلك سوف أتوقف عن العناد والعصيان وأبدأ حياتي معك من الآن، وسوف أحيا معك ولأجلك مدى حياتي. سامحني واغفر لي خطاياي يا رب وغير حياتي وعلمني كيف أعرفك أكثر.

باسم الرب يسوع. آمين.